محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

33

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

أنه حتى كلمات تؤدّي إلى تفسيرات تجسيمية أو تشبيهية من مثل : « ثم استوى على العرش » و « علّم بالقلم » و « إنه سميع عليم » تؤخذ على حرفيّتها من قبل التفسير الإسلامي التقليدي . وقد ولّدت مناقشات جدالية لاهوتية بين المسلمين . وهي مماحكات تبعدنا كثيرا جدا عن التحليل الألسني الدقيق والصارم للخطاب القرآني . أما الدراسات الفيلولوجية التي طبّقها المستشرقون على التراث الإسلامي فقد أهملت هي الأخرى أيضا بلورة نظرية حديثة للمجاز والكناية ثم تطبيقها على الخطاب الديني . وهذا القصور الابستمولوجي يبدو لنا واضحا جليا إذا ما اطلعنا على الأعمال الكلاسيكية للمستشرقين من أمثال نولدكه Th . Noldeke ، وبلاشير R . Blachere ، ووانسبرو J . Wansbrough وماسون D . Masson ، وپاريت R . Paret ، وآخرين عديدين . فكل ترجمات القرآن إلى اللغات الأوروبية تعكس الخيارات اللاهوتية لنماذجهم المتّخذة كقدوة ( أي المفسّرين المسلمين الكلاسيكيين ) . وكانت السيدة جاكلين شابّي قد اتخذت موقفا قويا في كتابها المذكور سابقا ضد هذا الموقف الذي ساهم في نشر النموذج اللاهوتي المحافظ وغير المناسب خارج حدود التراث الإسلامي . ولكنها ، هي الأخرى أيضا ، أهملت الإشارة إلى ضرورة بلورة نظرية عامة للرمز الكبير وتطبيقها على جميع الخطابات الدينية « 1 » . من السهل أن نبيّن كيف أن المفسّرين القدامى رفضوا كليا القيمة المجازية الواضحة لتعابير من مثل : « علّم بالقلم » ، « ألم يعلم بأن اللّه يرى » ، « لنسفعا بالناصية ، ناصية كاذبة خاطئة » ، « الزبانية » . . وهي كلها تعبيرات واردة في السورة التي تهمنا هنا : أي سورة العلق . ولكن هناك تعبيرات كثيرة غيرها في أماكن أخرى متفرقة من القرآن . فكيف يمكن أن نقرّر ما هي الجمل أو الكلمات المجازية في هذه الآيات ، وما هي تلك التي ينبغي أن نأخذها بحرفيتها ؟ كان التيار الباطني في التراث الإسلامي قد ولّد أدبيات ضخمة أو هائلة عن كلمات مثل « القلم » ، و « اللّه الذي يرى » ، و « زبانية الجحيم » الواردة في السورة المشار إليها . ولكن هذا يرينا فقط كيف أن الخطاب القرآني كان قد استخدم ولا يزال يستخدم كوسيلة أو كعلّة من أجل الاستغراق في التأملات التجريدية الغنوصية . ثم إنه يستخدم بالطبع كمصدر للإلهام بالنسبة للتجارب الصوفية في علاقتها مع الإلهي . ويمكن القول بهذا الصدد إنّ الأعمال الهائلة لابن عربي تمثّل مدوّنة مستقلة بذاتها ، وهي تبيّن لنا مدى إمكانيات التوسّع الاحتمالية للخطاب القرآني كما كان قد تلقاه خيال خلاق ( كخيال ابن عربي ) . ولكن هذا البعد نفسه

--> ( 1 ) في ما يخصّ هذه النقطة الحاسمة ، فإني أحيل القارئ إلى دراستي التي صدرت في الموسوعة القرآنية ، الجزء الأول ، تحت عنوان : « الممارسات النقدية المعاصرة والقرآن » . والموسوعة المذكورة ابتدأت تصدر منذ عام 2000 عن مطبوعات بريل في مدينة ليدن بهولندا . ، 1 . Vol ، Quran the of Encyclopaedia . ( M . Arkoun : by ) ( ( Quran the and Practices Critical emporary 0 Cont ) ) . art ، 2 ، brill ، Leiden